دكتور عبد العزيز الدوري

60

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

العربية . وإن نحن أمعنّا النظر رأينا في تلك الاتجاهات مكمن الفتنة وأصل الانفجار الذي أودى بعثمان وصدع وحدة الأمة العربية آنئذ . انتقد عثمان لعصبيته لأقربائه وتوليتهم الأمصار ونتيجة تنحيته بعض كبار الصحابة عنها . ففي الشام كان معاوية وهو أموي ، وعزل عثمان أبا موسى الأشعري عن البصرة وسعد بن أبي وقاص عن الكوفة ، وولى عبد اللّه بن عامر الأموي على البصرة ، والوليد بن عقبة على الكوفة ، ثم عزله وولى سعيد بن العاص . وقبل انسحاب عمرو بن العاص من مصر ولى عبد اللّه بن سعد بن أبي السرح عليها . ومعنى ذلك تنفذ الأمويين وتحقيق أمانيهم في السلطة . ولذا أمكن عند خلافة عثمان بداية الحكم الأموي . وهنا نرجع قليلا إلى الوراء . فبنو أمية كانوا أصحاب النفوذ عند ظهور الإسلام ، وأكثر مالا وقوة من غيرهم من قريش ، وقادوا المقاومة للحركة الإسلامية ، وتأكد نفوذهم بعد معركة بدر لمقتل جل زعماء بني مخزوم الذين كانوا ينافسونهم في السلطة . وبعد عام الفتح اشتغل الأمويون بجد لاسترجاع نفوذهم ، ونجحوا كثيرا في خلافة أبي بكر وعمر وقاموا بدور أساسي في خدمة شيخهم عثمان وفي وصوله إلى الخلافة . فقد كانوا أقوى كتلة في المدينة عند مجيء عثمان ، ومن المنتظر أن يقوموا بالدور الرئيس في خلافته . ولم يرتح الصحابة لتنفذ هؤلاء الحديثين في الإسلام ، والذين قاوموه عند ظهوره أمرّ مقاومة . ولعثمان خطاب يرد فيه على تهجم أهل الأمصار عليه ، ألقاه أمام الصحابة في المسجد : « وقالوا : استعملت الأحداث ، ولم أستعمل إلا مجتمعا محتملا مرضيا ، وهؤلاء أهل عملهم فسلوهم . . . قالوا : اللهم نعم ، يعيبون للناس ما لا يفسرون . . . وقالوا إني أحب أهل بيتي وأعطيهم ، فأما حبي فإنه لم يمل معهم على جور بل أحمل الحقوق عليهم . وأما إعطاؤهم فإني إنما أعطيهم من مالي ولا أستحل أموال المسلمين لنفسي ولا لأحد من الناس » « 15 » . ويرى دلّا فيدا أنّ عثمان أراد حفظ الوحدة العامة وتحقيق الإشراف الدقيق ، فسار في وجهة سياسة عمر ، ولكنه استبدل بقوة عمر وشدته تقريب أقربائه وتوليتهم ليضبط بهم الأمور ، ولكن القضية انعكست بتنفذهم الزائد . وهذا رأي لم أجد في التعليقات المعاصرة ما يؤيده . أردت في ما عرضت أن أبين أنّ استعلاء نفوذ بني أمية كان نتيجة مطردة للأوضاع قبل عثمان . وعلينا أن نلاحظ أنّ مجلس الشورى انتهى بترشيح عثمان

--> ( 15 ) الطبري ، المصدر نفسه ، ج 4 ، ص 347 .